حين تتنزّل السكينة.. ويُفتح باب اليقين
في غمرة الأيام، وحين تشتد عواصف الحياة، وتتسارع خطى القلق في الصدور، يلتفت المرء يمنة ويسرة يطلب ركناً شديداً يأوي إليه، أو يداً بشرية تمسح عنه وعثاء الطريق. يتلفت لـ "سند أرضي" يظن فيه طوق النجاة، ويعلّق آماله بمخلوق يرجو منه الأمان وطمأنينة القلب.. ولكن، كم من ملتفتٍ انكسر؟ وكم من راكنٍ إلى البشر خُذِل؟
إنها الحقيقة التي تصدم النفوس لتوقظها: أن تشتت القلب في أودية العلاقات، والتعلق بالأسباب المقطوعة، هو عين عذابه.
لقد جبل الله الفطرة الإنسانية -ولا سيما فِطرة المرأة- على طلب الأمان والبحث عن الاستقرار، ولما كان البشر يضعفون، ويتغيرون، ويغيبون، اقتربت الرحمة الربانية لتحمي هذا القلب من مصارع الخيبات. فلم يجعل الله أمان العبد موكولاً إلى مخلوق يرحل، بل ربطه بذاته جل جلاله، وأراد للروح أن تخلع أثواب التعلق بالبشر، لترتدي دثار "اليقين بالله"؛ ذلك الحبل المتين الذي يربط الأرض بالسماء، وينتشل النفس من بحر الاضطراب، ويقذف فيها سكينة لا تزلزلها الأعاصير.
وإذا أردتِ أن تري كيف يصنع اليقينُ مخرجاً من مضايق الهلاك، ويكسر قيود العجز البشري؛ فتأملي في كتاب الله، وكيف تولى سبحانه صناعة الأمان في قلوب ملهمات التاريخ حين انقطع عنهنّ كل سند أرضي:
1. يقين مريم عليها السلام
فتاة طاهرة، وحيدة، نائية عن أهلها، تواجه حدثاً يزلزل النفس، ومسؤولية تنوء بحملها الجبال، بلا نصير يذبّ عنها، ولا عشيرة تدفع عنها ألسنة السوء.
في تلك اللحظة، تنفّست مريم عليها السلام ضعفها الإنساني الخالص، وقالت كلمتها التي حفظها الوحي:
﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]لم يكن معها بشر، ولم يرتفع لصالحها صوت.. وهنا لَمّا انعدمت الأسباب وعلمتْ أن لا ملجأ من الله إلا إليه، انفتح لها باب اليقين من السماء،،، فلم يكلها الله إلى عجزها، بل ساق لها الرعاية محفوفة بالكرامة: فجّر من تحتها سرياً، وتنزّل عليها الرطب بضربة كفٍّ لجذع يابس، وأخرس الألسنة بنطق وليدها في المهد. لقد كان غياب السند البشري بوابتها لتشهد كيف تخرق القدرة الإلهية القوانين لأجل قلب سليم استسلم لربه.
2. يقين أم موسى عليهما السلام
أمّ تقف بين خيارين كلاهما مُر: إما أن تنتظر جنود الطاغية ليقتلوا رضيعها، أو تلقيه بيديها في تابوت خشبي تتقاذفه أمواج نهر مضطرب! فأين تجد مستنداً يثبتها؟
لقد غاب التدبير البشري تماماً، وامتثلت لأمر ربها والوعظ الإلهي يملأ صدرها. ولمّا غاب التابوت في عرض النهر، هاجت عواطف الأمومة، ووصف القرآن اضطرام قلبها وصفاً يهز الوجدان:
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...﴾ [القصص: 10]كاد قلبها المفجوع أن يطير من بين أضلعها، وكادت تصرخ باسم ابنها لتكشف السر من فرط القلق، فما الذي أمّن روعها والنهر يبتعد بالوديعة؟ إنه المدد الذي لا يُرى: ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا الرباط الرباني حوّل خوفها سكينة، وحفظ الرضيع في عين عدوه، وأعاده إلى حجرها لتسكن العبرة وتقر العين؛ ليعلم العالم أن فزع القلوب لا يسكنه إلا اليقين بموعود الله.
3. يقين هاجر عليها السلام
في وادٍ غير ذي زرع، تحت هجير الشمس المستعرة، يترك الخليل إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر ووليدها إسماعيل، ثم يقفّي راجعاً تنفيذاً لأمر ربه. تلحق به وتسأله: إلى من تكلنا يا إبراهيم؟ وهو يمضي صامتاً مستسلماً.
حينها، أشرق نور البصيرة في قلبها، وعلمت أن وراء هذا المشهد تدبيراً سماوياً، فقالت:
"آلله أمرك بهذا؟"فلما أومأ برأسه أن نعم، نطقت بكلمة اليقين التي خُلّدت في دواوين المجد:
"إذن لا يضيعنا"انقطعت الحبال الأرضية، وغاب الزوج السند، وتجلى القحط والوحشة.. ولكن، هل خاب هذا اليقين؟ لقد نبعت زمزم من تحت قدمي الرضيع، واهتزت الصحراء بالحياة، وتحول الوادي الموحش إلى مهوى لأفئدة الخلق إلى قيام الساعة. فمن اعتصم بيقينه بالله، فجّر الله له الينابيع من تحت أقدام عكوفه.
والجامع هنا: الأمان صنيعة ربّ السماء
إذا تأملتِ العِلّة الجامعة والسر المشترك بين مريم، وأم موسى، وهاجر عليهم السلام، وجدت حقيقة واحدة: أن الله جل جلاله غيّب عنهنّ السند البشري، ليفرّغ قلوبهنّ من الالتفات إلى المخلوقين، ويتولى صناعة أمانهنّ وثباتهنّ بنفسه. فلما انقطعت حبال الأرض، جاءت الرسائل الإلهية لتطرد الحزن والخوف من أركان قلوبهنّ:
﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾فيا أيتها النفس المجهدة من قلق الحياة ومكابدة منغصاتها، ويا من أوجعها تغيّر السند أو غيابه: اعلمي أنكِ لستِ منسية، ولستِ متروكة لعواصف الظروف. إنكِ تحت عين الله التي لا تنام، غالية ومكرمة في حماية ملك الملوك. وحين تُغلق في وجهكِ الأسباب الأرضية، فما ذاكِ إلا علامة على أن الله يريد أن ينقلكِ إلى الرعاية الإلهية المحضة، ليتنزّل في صدركِ غيث السكينة.

تعليقات
إرسال تعليق